النسخة الكاملة
الاثنين - 26 ذو الحجة 1435 هـ - 20 أكتوبر 2014 مـ - رقم العدد13110

آخر الأخبار

  • السعودية تدعو الأطراف اليمنية إلى تغليب المصالح الوطنية وعدم المساس بالشرعية
  • مجلس الوزراء السعودي يعبر عن أسفه للأحداث الأمنية في اليمن ويدعو إلى تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الفئوية الضيقة
  • يري: واشنطن أبلغت أنقرة أن إسقاط أسلحة الأكراد السوريين لا يمثل تغييرا في السياسة الأميركية
  • منظمة الصحة العالمية تعلن نيجيريا خالية من فيروس "إيبولا"
  • المقاتلون الاكراد في كوباني يؤكدون ان المساعدات العسكرية ستساعدهم كثيرا
آخر تحديث: الإثنين 1 شوال 1435 هـ - 28 يوليو 2014 مـ , الساعة: 23:09

إسرائيل دون أوهام

الثلاثاء 2 شوال 1435 هـ - 29 يوليو 2014 مـ , الساعة: 21:23 رقم العدد [13027]
نسخة للطباعة Send by email
الإسرائيليون والفلسطينيون مسجونون داخل ما يشبه على نحو متزايد - فقاعة مغلقة بإحكام. وعلى مر السنين، كان يقدم كل طرف داخل تلك الفقاعة مبررات معقدة لكل الأفعال التي اقترفها.
يمكن أن تدعي إسرائيل عن حق أنه لا يوجد دولة في العالم تقف صامته أمام الهجمات المتواصلة التي تتعرض لها مثل تلك الهجمات التي تشنها حركة حماس، أو التهديد الذي تشكله الأنفاق المحفورة التي تمتد من قطاع غزة إلى إسرائيل.
وعلى النقيض، تبرر حماس هجماتها ضد إسرائيل بزعم أن الفلسطينيين ما زالوا يخضعون للاحتلال، وأن المقيمين في غزة يتعرضون للهلاك في ظل الحصار القسري الذي تفرضه إسرائيل.
ولكن داخل تلك الفقاعة، من الذي يستطيع إلقاء اللوم على الإسرائيليين لتوقع قيام الحكومة الإسرائيلية ببذل كل ما في وسعها لإنقاذ الأطفال في «كيبوتز ناحال عوز»، أو إلقاء اللوم على أي من المجموعات الأخرى المتاخمة لقطاع غزة ممن يناصرون حركة حماس التي قد تخرج من حفرة في الأرض؟ وما هو الرد على سكان غزة الذين قالوا إن الأنفاق والصواريخ هي الأسلحة الوحيدة المتبقية أمامهم ضد إسرائيل القوية؟ في هذه الفقاعة من القسوة واليأس، نجد أن كلا الطرفين على حق؛ فكلاهما ينصاع لقانون الفقاعات، وهو قانون العنف والحرب والانتقام والكراهية.
ولكن في ظل احتدام الحرب بين الطرفين لا يدور السؤال الأكبر حول الأهوال التي تحدث يوميا داخل الفقاعة، ولكنه السؤال هو: كيف يحدث أن نجد أنفسنا نختنق معا داخل هذه الفقاعة لأكثر من قرن؟ هذا السؤال يمثل بالنسبة لي النقطة الأساسية بالنسبة لدوامة الدم الأخيرة.
ونظرا لأنه لا يمكنني توجيه هذا السؤال لحماس، ونظرا لأنني لا أفهم الطريقة التي تفكر بها، وجهت سؤالي لقادة إسرائيل، المتمثلين في رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وأسلافه: كيف يمكن لكم أن تُضيعوا السنوات التي انقضت منذ الصراع الأخير من دون الشروع في الحوار، ودون اتخاذ أي خطوة ولو قليلة من أجل الدخول في حوار مع حركة حماس، ومن دون محاولة تغيير واقعنا المتأجج؟ لماذا لم تجر إسرائيل على مدى تلك السنوات القليلة الماضية مفاوضات حكيمة مع الأطراف المعتدلة وقطاعات الشعب الفلسطيني الأكثر ميلا للنقاش، الإجراء الذي يمكن بموجبه أيضا الضغط على حماس؟ لماذا تجاهلتم - لمدة اثني عشر عاما - مبادرة الجامعة العربية التي كان يمكن بموجبها استغلال الدول العربية المعتدلة التي قد يكون لديها سلطة على حماس لتسوية الأزمة؟ وبعبارة أخرى، لماذا لم تكن هذه الحكومات الإسرائيلية، على مدى عقود، قادرة على التفكير خارج هذه الفقاعة؟
ولكن جولة الصراع الحالية بين إسرائيل وغزة تعد مختلفة إلى حد ما؛ فبالإضافة إلى عدوانية القليل من السياسيين الذين يعملون على تأجيج نيران الحرب وراء ستار «الوحدة» - التي تعد جديرة بالتصديق جزئيا، ومناورة في معظمها، أعتقد أنه في هذه الحرب هناك ما يعمل على توجيه اهتمام كثير من الإسرائيليين إلى الآلية التي تقوم على أساس باطل و«وضع» مميت متكرر. وينظر كثير من الإسرائيليين ممن رفضوا الاعتراف بالوضع الراهن إلى دوامة عنف غير مجدية، والانتقام والانتقام المضاد، ويشاهدون ردة فعلنا؛ حيث تبدو صورة واضحة وغير منمقة لإسرائيل كدولة مبدعة ببراعة وخلاقة ومغامرة تدور على مدى قرن من الزمان حول حجارة رحى الصراع الذي كان من الممكن تسويته منذ سنوات خلت.
إذا نحينا جانبا لبرهة واحدة المبررات التي نستخدمها لتعزيز موقفنا في مواجهة التعاطف الإنساني البسيط حيال كثير من الفلسطينيين الذين دُمرت حياتهم جراء هذه الحرب، ربما نكون قادرين على رؤيتهم أيضا وهم يدورون بصعوبة حول حجارة الرحى إلى جانبنا في دوائر مغلقة لا تنتهي في حالة من الذهول واليأس.
لا أعرف حقا ما الذي يفكر فيه الفلسطينيون - بما فيهم سكان غزة - في تلك اللحظة. ولكنني أشعر أن إسرائيل تترعرع، ورغم ما يسببه ذلك لها من حزن وألم، إلا أنها تستمر في ترعرعها - أو بالأحرى إنها مضطرة للقيام بذلك. ورغم التصريحات العدائية التي أدلى بها سياسيون ونقاد متهورون، بالإضافة إلى الهجوم العنيف من جانب سفاحي اليمين الإسرائيلي ضد أي شخص يختلف معهم في الرأي، تزداد رصانة ورجاحة عقل الشريان الرئيس للرأي العام الإسرائيلي.
يدرك اليسار الإسرائيلي على نحو متزايد الكراهية القوية ضد إسرائيل - تلك الكراهية الناجمة عن أمور أخرى جنبا إلى جنب الاحتلال الإسرائيلي - فضلا عن بركان الأصولية الإسلامية التي تهدد البلاد. كما يدرك اليسار الإسرائيلي مدى هشاشة أي اتفاق قد يجري التوصل إليه. كما يعي الكثير في اليسار الآن أن مخاوف جناح اليمين ليست بسبب مجرد جنون العظمة، وأنهم يتعاملون مع تهديد حقيقي وحاسم.
وأتمنى أن يقر الجناح اليميني أيضا بشكل أكبر الآن - حتى إذا صاحب ذلك شعور بالغضب والإحباط - بالحدود التي تقيد استخدام القوة، وبحقيقة أنه حتى الدولة القوية مثل دولتنا لا يمكنها التصرف ببساطة كما تشاء، وأنه لا توجد انتصارات قاطعة في العصر الذي نعيش فيه، ويمكننا أن نرى الحقيقة بسهولة فقط من خلال «صورة النصر» الوهمية التي تقضي بأنه في حالة الحرب يوجد خاسرون فقط. لا يوجد حل عسكري لمعاناة الشعب الفلسطيني، وطالما أنه لا يمكن ما يخفف من الشعور بالاختناق في غزة، لن نكون نحن أيضا في إسرائيل قادرين على التنفس دون صعوبة.
ويدرك الإسرائيليون هذا الأمر لعدة عقود، كما أننا رفضنا أن نفهم ذلك حقا لعقود من الزمن، ولكن ربما نفهم ذلك هذه المرة بنحو أفضل قليلا، وربما ننظر إلى حقيقة ما نعيشه من زاوية مختلفة قليلا. بالتأكيد، إنه فهم مؤلم ويشكل تهديدا، ولكنه من الممكن أن يمثل نقطة البداية. وقد يجعل ذلك من الواضح بالنسبة للإسرائيليين مدى أهمية السلام مع الإسرائيليين، وكيف يمكن أن يشكل ذلك الأمر أساسا للسلام مع الدول العربية الأخرى. وقد يُنظر إلى مفهوم السلام - الذي يجر الاستخفاف به في الوقت الراهن - باعتباره الخيار الأفضل، والأكثر آمانا المتاح لإسرائيل.
* خدمة «نيويورك تايمز»
مقالات سابقة